ابن رشد

158

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

التخيل ، مثل ما وصفه « 81 » به من السمع والبصر والوجه وغير ذلك ، مع تعريفهم أنه لا يجانسه شيء من الموجودات المتخيلة ، ولا يشبهه . [ 183 ] ولو كان القصد تعريف الجمهور أنه ليس بجسم لما صرح لهم بشيء من هذا . بل لما كان أرفع ( 49 / و ) الموجودات المتخيلة هو النور ضرب لهم المثال به ، إذ كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل . وبهذا النحو من التصور أمكن أن يفهموا معاني الموجودات في المعاد . أعني أن تلك المعاني مثّلت لهم بأمور متخيلة محسوسة . [ 184 ] فإذن : متى أخذ الشرع ، في أوصاف اللّه تبارك وتعالى على ظاهره « 82 » ، لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها . لأنه إذا قيل له ( - للجمهور ) : إنه نور وأن له حجابا من نور ، كما جاء في القرآن والسنن الثابتة ، ثم قيل إن المؤمنين يرونه في الآخرة ، كما ترى الشمس ، لم يعرض في هذا كله شك ولا شبهة في حق الجمهور ولا في حق العلماء . وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد علم ، لكن متى صرح لهم به ، أعني للجمهور ، بطلت عندهم الشريعة كلها ، أو كفّروا المصرح لهم بها . فمن خرج عن منهاج الشرع في هذه الأشياء ، فقد ضل عن سواء السبيل . [ 185 ] وأنت إذا تأملت الشرع وجدته ، مع أنه ( - علاوة على أنه ) قد ضرب للجمهور ، في هذه « 83 » المعاني ، المثالات التي لم يمكن تصورهم إياها دونها ، فقد نبه العلماء على تلك المعاني أنفسها ، التي ضرب مثالاتها للجمهور . فيجب أن يوقف عند حد الشرع في نحو التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس ، وألّا يخلط التعليمان كلاهما ، فتفسد الحكمة الشرعية النبوية . ولذلك قال عليه السلام : إنا معشر الأنبياء ، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم « 54 » ، ومن جعل الناس شرعا واحدا في التعليم ، فهو كمن جعلهم شرعا واحدا في عمل من الأعمال . وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول .

--> ( 54 ) الترميذي : ذكر عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت : " أمرنا ( ص ) أن ننزّل النّاس منازلهم " . ( 81 ) . ت : " وصف " ( 82 ) ت ، مل 1 : " ظاهر " . مل 2 : راجعه فصححه : ظاهره ( 83 ) . س : ثبت " هذا " .